استغربت ان تنطلق الدعوة للمطالبة بايقاف جريمة اعدام الفريق سلطان هاشم الطائي وزير دفاع العراق الاسبق، من وزير خارجية ايطاليا وليس من مسؤول عربي. فقد نقلت وكالات الانباء تصريح الوزير الايطالي بأن بلاده تعارض تنفيذ احكام الاعدام في قيادات الجيش العراقي، محذرا من آثار تنفيذ هذه الاعدامات علي المصالحة الوطنية العراقية.
والمعلوم ان ما تسمي بـ المحكمة الجنائية العراقية التي اسسها الحاكم الامريكي بول بريمر (بطل جريمة حل الجيش العراقي) قد اصدرت احكاما بالاعدام بحق عدد من قادة الجيش العراقي (الفريق سلطان هاشم الطائي وزير الدفاع السابق والفريق حسين رشيد رئيس الاركان السابق) بتهمة تنفيذ اوامر القيادة العراقية في ابادة الاكراد بما سميت حينها (حملة الانفال) في ثمانينات القرن الماضي.
وبغض النظر عن موضوع شرعية المحكمة وقانون تشكيلها من عدمه، فان مساءلة قادة الجيوش عن تنفيذ اوامر القيادات السياسية هو موضوع قانوني، خلصت بشأنه الفتاوي القضائية بأن لا مسؤولية علي العسكري في تنفيذ الاوامر لانه ملزم بطاعة ما يصدر اليه من اوامر، وانما تقع المسؤولية (ان ثبتت الجريمة) علي القادة السياسيين. هذا اذا افترضنا صدق الادعاءات والوقائع المدعي بها، لان حملة الانفال كانت في سياق الحرب العراقية ـ الايرانية، لتهجير واخلاء القري الحدودية المتاخمة للحدود مع ايران ضمانا لسلامة ساكنيها وعدم تعريضهم للخطر. وكذلك قمع المتسللين والمتآمرين المتواطئين مع العدو. ورأينا كيف ان ايران في الاسابيع الماضية تقصف القري الكردية المتاخمة للحدود معها علي ادعاء انها تؤوي عناصر من المعارضة، وطالبت ايران باجلاء القري الحدودية مسافة 15 كلم داخل الحدود العراقية.
أليست هذه (انفال) اخري؟ ولماذا يتم السكوت عليها؟
ان عملية اعدام الفريق سلطان والفريق حسين رشيد، تعد عملية ثأرية سياسية، للثأر منهما باعتبار انهما كانا علي رأس الجيش العراقي خلال فترة الحرب العراقية ـ الايرانية (80 ـ 1988).
المعروف للاعلام، ان الجنرال بترايوس، قائد القوات العسكرية الامريكية في العراق. وكان وقتها قائد الفرقة (101) في الموصل، ارسل رسالة الي الفريق سلطان هاشم، بعثها بيد احد الوسطاء، وفيها خاطب بترايوس الفريق هاشم بالقول انا وانت ضباط وقادة جيوش ننفذ ما يصدر الينا من اوامر من قياداتنا السياسية، وليس لنا الحق في الاعتراض، وانت قمت بواجبك العسكري ولا تتحمل مسؤولية علي الاطلاق، وامل ان تسلم نفسك حتي لا تتهم بانك هارب .. ويفترض بالجنرال بترايوس، وحكومته، وقيادته، ان يكونوا عند التزامهم ويحترموا التقاليد والاعراف العسكرية وشرف الكلمة.
الفريق سلطان هاشم شخصية عسكرية محترفة كفؤة، فضلا عن خلقه العالي وتواضعه، وكان مثار اعجاب العالم حين تقدم الوفد العسكري العراقي المفاوض في (خيمة صفوان) 1991 بعد انتهاء الحرب آنذاك بخروج العراق من الكويت، حتي ان الجنرال شوارتزكوف كتب في مذكراته يقول لقد فوجئت بالموقف الشجاع للفريق سلطان هاشم، حين تصرف بطريقة صارمة جعلتني مجبرا علي احترامه وتأدية التحية العسكرية له .
لقد احترمنا جدا الموقف الشجاع لنائب الرئيس العراقي الحالي طارق الهاشمي وهو يعلن صراحة انه لن يوقع علي قرار اعدام الفريق سلطان هاشم، خاصة وان هناك محاولة للالتفاف علي الدستور العراقي الذي ينص علي ان احكام الاعدام لا تنفذ الا بعد تصديق مجلس الرئاسة، في حين ان آخرين في الحكومة العراقية، واطراف المحكمة، يتمسكون بالنص الذي وضعه بريمر في قانون تأسيس المحكمة من انه لا توجد اي سلطة تمتلك صلاحية الغاء او تخفيض الاحكام الصادرة عن المحكمة والمقترنة بمصادقة محكمة التمييز، في وقت تثار الشبهات والشكوك حول نزاهة وحيادية المحكمة بشخوصها الذين تم انتقاؤهم بشكل ثأري ومتحيز تنفيذا لاجندات خارجية تريد الانتقام من رموز الجيش العراقي، الذين لم يكفهم حله وتسريحه، بل يريدون الامعان في الانتقام والثأر من قادته.
كنا نتوقع مواقف عربية اكثر صراحة، وصرامة، سواء من الجامعة العربية، او منظماتها، ومن المسؤولين العرب لايقاف مهزلة الاعدامات في العراق، التي لن تؤدي الا الي زيادة جراح العراقيين، ووضع العراقيل امام المصالحة الوطنية المنشودة. ونأمل في الايام القادمة مواقف عربية واضحة مثل موقف الوزير الايطالي، ومثل موقف طارق الهاشمي، ومواقف كل الذين يريدون الخير للعراق، وايقاف نزف الدم العراقي، وانهاء مسلسل الانتقام الاهوج.
المصدر : القدس العربي